بحث فى المدونة

جارٍ التحميل...

الثلاثاء، 7 يوليو، 2015

الارهاب والاستبداد

الارهاب و الاستبداد
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

يقتات الارهاب على الظلم الذى يصنعه المستبدون. ويقتات الاستبداد على الرعب الذى يبثه الارهابيون. وهكذا فى دائرة جهنمية لا تنتهى.
يرعب الارهاب الناس ويخيفهم، فيستنجدون بالسلطة المستبدة، التى تقايضهم على حقوقهم وحرياتهم، ان أرادوا حمايتها.
اثبتت كل تجارب الشعوب على مر التاريخ، كيف تتوحد وتتشابك مصالح كل منهما مع الآخر.
***
·       يتخفى الارهاب وراء الدين، ويتخفى الاستبداد وراء الوطنية.
·       كلاهما يشيع الخوف وينمو وينتعش فى أجواء الكراهية والانقسام والاستقطاب.
·       كلاهما يكره الحرية والثورات والمشاركة الشعبية والمعارضة والرأى الاخر.
·       كلاهما يُكَّفر أو يًخَّون المختلفين معه ويستبيح حياتهم او حرياتهم.
·       كلاهما يعامل الشعوب كرعايا وليس كمواطنين.
·       كلاهما لا يعترف بالمساواة والمشاركة والمراقبة والمحاسبة. فهما لا يؤمنان الا بالعبودية والطاعة العمياء، و يديران جماعاتهم او شعوبهم بالحديد والنار.
·       كلاهما لا يتوقف او يشبع . اذا تركناه، توسع وتغول وتجبر.
·       كلاهما يكره القانون و ينتهكه؛ الارهاب يعمل خارج القانون، والاستبداد فوق القانون.
·       الارهاب ينسف ويقتل ويفخخ ويفجر ويخطف، ضد كل القوانين والمبادئ الانسانية .
والاستبداد يقتل ويقنص ويعدم "ويصفى"ويعتقل، فى حماية مظلة صورية من الشرعية والقانون.
·       قرار الحياة او الموت لدى الارهابيين فى يد شخص واحد. وكل السلطات والمسارات والمصائر فى الانظمة الاستبدادية تتجمع فى يد واحدة.
·       كلاهما يكره الديمقراطية؛ الارهاب يرفض الانتخابات، أما الاستبداد فيزورها.
·       كلاهما يحتقر الناس؛ الارهاب يرفض الاحتكام اليها، اما الاستبداد فيهدف الى تضليلها وتعبئتها وسياقتها.
·       الارهابيون هم فئة قليلة تضع ارادتها فوق ارادة الشعوب، تريد ان تُكرهُها على الحياة وفقا لمعتقداتها.
والمستبدون هم ايضا فئة قليلة، تريد ان تحتكر الحكم والسلطة والثورة الى أبد الابدين.
·       كلاهما شديد الخطورة على الشعوب والمجتمعات، فهما يعملان وفقا لقاعدة "انا ومن بعدى الطوفان".
·       كلاهما يوقع ضحايا بالآلاف او بالملايين من الأبرياء الذين لا ذنب لهم.  
·       كلاهما يعيش فى عالم سرى"عميق" معدوم الشفافية، يحيطه بستار حديدى يحجب الحقيقة ويخفيها.
·       كلاهما يحترف الكذب وتضليل الرأى العام.
·       الارهابيون مخترقون من الخارج الذى يدعمهم بالأموال والسلاح ويرسم لهم الخطط والأدوار.
والمستبدون تابعون لذات الخارج ومتحالفون معه، يحكمون شعوبهم برعايته وتحت حمايته ووفقا لاستراتجياته.
·       واذا كان الارهاب هو البوابة التى تنفذ منها الولايات المتحدة وحلفائها لاستباحة بلادنا وإعادة احتلالها.
فان جرائم الاستبداد وانتهاكاته هى الذريعة التى يستخدمها الغرب للضغط على الانظمة ومقايضتها، لتحقيق مصالحه الاقتصادية وأرباحه المالية وفرض شروطه السياسية وتسوياته الأمنية والاقليمية.
·       الارهابيون يستهدفون حياة الناس وأمنها واستقرارها.
والمستبدون يقتلون روح الشعوب وانتمائها الوطنى ويهددون وحدتها.
·       المستبدون يقسمون الشعوب الى أخيار وأشرار؛ حكام ومحكومين، أسياد وعبيد، اغنياء وفقراء، موالين ومعارضين. فيستغل الارهاب هذا الانقسام ويحوله الى تقسيم للأوطان والدول.
·       دائما ما يستعين الاستبداد بالإرهاب لتمديد أو تأبيد حكم أنظمته التسلطية، أو لإحكام و تبرير قبضته البوليسية، او تمرير اجراءات استثنائية، او لوأد انتفاضة شعبية، او التغطية على ازمة اقتصادية، او للتهرب من سد الاحتياجات المعيشية، او التغطية على استسلام او هزيمة عسكرية، او لتمرير مشاركته فى حروب وتحالفات دولية واقليمية، او لحل البرلمانات، او تأجيل الانتخابات، او العصف بالحقوق والحريات، او لإخفاء فشل السياسات و نهب الثروات.
***
الإرهاب والاستبداد وجهان لعملة واحدة، هى قهر الشعوب وكسرها وإدخال اليأس الى قلوبها، ليسهل ترويضها وحكمها ونهبها. وهو ما ينتهى دوما وحتما الى إضعاف مناعتها الوطنية وتمزيقها وهزيمتها واحتلالها.
*****


السبت، 4 يوليو، 2015

ماذا لو كان المسيرى بيننا؟

ماذا لو كان المسيرى بيننا ؟
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

كثيرا ما كنت أتساءل، عن موقف ومصير الدكتور عبد الوهاب المسيرى لو كان قد امتد به العمر حتى يومنا هذا ؟
واليوم أعيد طرح ذات السؤال، بمناسبة حلول الذكرى السادسة لرحيله فى 3 يوليو 2008 (كُتِبَ هذا المقال فى يوليو 2014)
***
لقد كان المفكر الوطنى العروبى الاسلامى الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيرى، واحدا من أهم المناضلين المصريين والعرب فى مواجهة الصهيونية ومشروعها وكيانها وأفكارها وعنصريتها وإرهابها، وفى مواجهة الاستعمار الغربى الذى أفرزها و أسسها ودعمها ورعاها.
فهو صاحب السفر العظيم؛ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية بالإضافة الى عشرات الكتب والمؤلفات فى قضية الصراع العربى الصهيونى منها على سبيل المثال وليس الحصر:
·       الجماعات الوظيفية اليهودية: نموذجٌ تفسيريٌّ جديد
·       الانتفاضة الفلسطينية والأزمة الصهيونية
·       الاستعمار الصهيوني وتطبيع الشخصية اليهودية
·       العنصرية الصهيونية
·       هجرة اليهود السوفييت
·       الإدراك الصهيوني للعرب والحوار المسلح
·       من الانتفاضة إلى حرب التحرير الفلسطينية
·       انهيار إسرائيل من الداخل
·       الصَّهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى
·       الأكاذيب الصهيونية من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى
·       اليَدُ الخفية: دراسةٌ في الحركات اليهودية الهدَّامة والسرية
·       الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة
·       في الخطاب والمصطلح الصهيوني 
·       مقدمةٌ لدراسة الصراع العربي- الإسرائيلي: جذورُه ومسارُه ومستقبُله
·       الأيديولوجية الصهيونية
·       أرض الميعاد
·       نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفـكر الصهيوني
·       أسرار العقل الصهيوني
·       من هو اليهودي؟
·       التجانس اليهودي والشخصية اليهودية
·       البروتوكولات واليهودية والصهيونية

***

وكان له أيضا اجتهاداته وابداعته الهامة فى مواجهة الفكر الاستعمارى والتغريب والنظرة العنصرية الاستعلائية فى الفكر الغربى، ومن أهم مؤلفاته فى ذلك هو كتاب "العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" بالإضافة الى كتب أخرى منها :
·       العالم من منظور غربي
·       العَلمانية تحت المِجْهر
·       دفاع عن الإنسان
·       الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان
·       إشكالية التحيز: رؤيةٌ معرفيةٌ ودعوةٌ للاجتهاد.
·       رحلتي الفكرية ـ في البذور والجذور والثمار
·       دراسات معرفية في الحداثة الغربية
·       الحداثة وما بعد الحداثة
·       الإنسان والحضارة والنماذج المركَّبة
·       قضية المرأة بين التحرُّر والتمركز حول الأنثى *فكر حركة الاستنارة وتناقضاته
***
لكن أهم ما كان يميز عبد الوهاب المسيرى عن كثير من المفكرين، هو انخراطه المباشر فى ميدان العمل السياسي والنضال الميدانى، فلقد كان المنسق العام لحركة كفاية، فى أوج اصطدامها مع نظام مبارك، وقبل رحيله ببضعة شهور تم اختطافه هو وزوجته وآخرين أثناء وجودهم في مظاهرة بميدان السيدة زينب الخميس 17-1-2008 في ذكرى مرور 21 عاما على الانتفاضة الشعبية التي اجتاحت مصر في 17 و18 يناير 1977 احتجاجا على رفع الأسعار واتجاه الدولة في ذلك الوقت لالغاء دعم السلع الاستهلاكية الرئيسية مثل رغيف الخبز(ما أشبه اليوم بالبارحة)،
والتى قال عنها المسيرى انه (( أثناء المظاهرة قاموا بإلقاء القبض علينا، ووضعوا كل مجموعة في سيارة تحمل لوحة مدنية، وتوجهوا بنا إلى الصحراء برفقة رجال أمن يرتدون ملابس مدنية، كنت مع زوجتي، وتم وضعنا في سيارة انطلقت بنا إلى الصحراء. وعندما حاولنا أن نستفسر منهم عن الجهة الذاهبين إليها رفضوا الادلاء بأي أقوال. سارت بنا السيارة زهاء الساعتين في طريق الاوتوستراد خارج القاهرة، لست متأكدا ما إذا كان مؤديا إلى السويس أو الاسماعيلية. وفي العراء بمنطقة صحراوية خالية تماما على الطريق السريع تركونا. سألنا الضابط وعرفنا أنه برتبة "مقدم": أين نحن وكيف سنعود، ضحك ولم يجب ثم انطلقوا بسيارتهم عائدين))
***
ولذلك لا اشك لحظة فى أنه لو كان قد امتد العمر بالمسيرى لكان فى طليعة الثوار فى يناير 2011، ولوجدناه مفترشا أرض التحرير على امتداد أيام الاعتصام الثمانية عشر، وربما كان سينجح فى سد ثغرة هامة بين أطياف القوى السياسية، حيث كان محل تقدير واحترام من الجميع على اختلاف مرجعياتهم وتياراتهم، وكان شخصية جامعة، تجد فى صالونه الثقافى الذى كان يعقده فى منزله، خليط متنوع من الشخصيات العامة من اليسار والقوميين والاسلاميين والليبراليين. وكان يجيب مازحا عن من يسأله عن هويته الفكرية بمقولته الشهيرة(( أنا ماركسى على سنة الله ورسوله))
وربما كان سيلعب دورا محوريا، فى تصحيح كثير من الأخطاء والانحرافات المبدئية والسياسية والأخلاقية التى ارتكبها الجميع بدون استثناء.
***
وحين يتساءل المرء ماذا كان من الممكن أن يكون موقعه اليوم بعد مرور اكثر من ثلاثة سنوات على الثورة، فيما لو كان قد كُـتِبَ له أن يظل بيننا حتى اليوم ؟
فأظن انه كان على الأغلب سيكون معتقلا أو مسجونا مع قيادات حزب الوسط الذى اختار المسيرى أن ينضم اليه فى سنواته الأخيرة.
وان لم يكن لذلك، فلأسباب أخرى متعددة؛ فالمسيرى ومن واقع مواقفه ومؤلفاته وأفكاره، لم يكن من الممكن أن يصمت على مبدأ اجتثاث اى من تيارات الأمة، ومنها التيار الاسلامى الذى كان يعتبر أحد مفكريه.
ولم يكن من الممكن أن يصمت على أعمال القتل والاعتقال والتعذيب وأحكام الاعدام والمؤبد ومصادرة الحريات والحق فى التظاهر،
والمسيرى الذى طالما تصدى للزيف والضلال والمراوغة فى الخطاب الغربى الاستعلائى والصهيونى العنصرى، لم يكن ليصمت أبدا على حملات التزييف و التضليل و التشويه و الاعلامى لكل خصوم السلطة السياسيين، بل كان على الاغلب سيكون فى مقدمة ضحياها،
والمسيرى الذى كتب مقال بعنوان "الفيديو كليب والجسد والعولمة" ينتقد فيه ما وصلنا اليه من ابتذال ، لم يكن ليتحمل السكوت عن "فرة" الابتذال و النفاق والانتهازية والرقص السياسى التى ضربت مصر فى الشهور الأخيرة.
فمن المستحيل أن يقبل من هم مثل المسيرى وفى مكانته، أن يكونوا جزءا من منظومة الاستبداد، أو من خدامه وحوارييه، أو جزءا من إعادة انتاج نظام مبارك بعد تحديثه.
كما لم يكن من الممكن أن يساير أو يصمت على ما يدور الآن من شيطنة الفلسطينيين وحصارهم واتهامهم بالإرهاب.
أو أن يقف فى صف النظام الذى ينسق على قدم وساق مع اسرائيل لمواجهة المخاطر المشتركة وتحقيق الأمن المصرى الاسرائيلى الامريكى المشترك.
***
ولن يكن عمره سيشفع له، فها هو الشيخ المسن المستشار الجليل محمود الخضيرى معتقلا،  وهو واحد من أهم رموز ثورة يناير، ورموز حركة استقلال القضاء فى مواجهة نظام مبارك.
ولم يكن مرضه العضال أو حالته الصحية لتشفع له أيضا، فلدينا مئات من المعتقلين اليوم، يعانون من أخطر أنواع الأمراض، وها هو محمد سلطان على شفا الموت بسبب إضرابه عن الطعام رفضا للظلم الذى تعرض له، ولا حياة لمن تنادى.
ولم يكن من الممكن للمسيرى الذى انتصر فى آخر كتاباته للانسان والانسانية أن يقف صامتا فى معارك تستهدف اجتثاث الانسان والانسانية.
***
وربما من رحمة الله عليه، انه لم يعش ليرى هذا الانشقاق الهائل الذى ضرب الحركة الوطنية المصرية، ضربها الى حد التفويض بالقتل.
*****

القاهرة فى 6 يوليو 2014



الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

دافع عن المظلوم ولو كان خصمك

دافع عن المظلوم ولو كان خصمك
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

فى زمن الاستقطاب والتخوين والتكفير، علينا ان نستدعى من تاريخنا وتراثنا القريب كل المواقف والأفكار والشخصيات، التى قاومت الاستبداد والظلم والعنصرية، وناضلت من اجل العدل والحرية للجميع؛ لخصومها قبل انصارها. فلعلنا باستلهامنا لها، أن ننجح، قبل فوات الأوان، فى وقف حملات التحريض والكراهية المسعورة الحالية، التى تهدد وحدتنا الوطنية وتدفع بنا الى أتون صراع واقتتال اهلى، لا يزال بإمكاننا وأده وتجنبه.
***
وواحد من أهم المناضلين المرجعيين فى هذه المعركة الوطنية الشريفة، كان هو الاستاذ أحمد نبيل الهلالى الملقب بقديس اليسار، والذى تحل هذه الايام الذكرى التاسعة لرحيله فى 18 يونيو 2006. والذى كان محل حب وتقدير واحترام كافة التيارات الفكرية والسياسية فى مصر، فى احدى حالات الاجماع النادرة.
كان الهلالى مناضلا صلبا من الطراز الأول، ثار على طبقته الاجتماعية الثرية وهجرها، وانحاز الى الفقراء من العمال والمهمشين، وانخرط فى التنظيمات الشيوعية السرية منذ نعومة اظافره قبل ان يؤسس حزب الشعب الاشتراكى (السرى) عام 1987 بعد ان اختلف مع رفاق الأمس فى تحالفهم مع نظام مبارك. ولقد كان ضيفا دائما على معتقلات السلطة منذ الخمسينات أو متهما فى محاكمها، ربما كان آخرها هو اعتقالات سبتمبر 1981.
ولكنه قبل ذلك وبعده كان محاميا للحريات بامتياز، دافع عن المتهمين والمظلومين والمعارضين من كافة التيارات، لم يستثنِ منهم أحدا. ورفض وأدان على الدوام أى مشاركة فى الحملات السياسية التى تشنها السلطة ضد معارضيها، حتى ممن إختلف معهم فكريا وسياسيا.
***
فى عام 1993 استهل الاستاذ نبيل الهلالى مرافعته عن الجماعة الاسلامية فى "قضية اغتيال رفعت المحجوب" أمام محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) بالكلمات الآتية:
((حقا ما ادق مسئولية القضاء الجالس وما اشق مهمة القضاء الواقف فى هذه القضية، ذلك ان دعوانا، تشق طريقها وسط حقل من الالغام وفى مواجهة عواصف هوجاء رعناء.
فخارج جدران هذه القاعة، دماء تسفك وأرواح تزهق وأشلاء تتناثر.
 وعلى طول البلاد وعرضها تمارس سياسة امنية ثابتة تستهدف تصفية الخصوم جسديا.
وعلى طول البلاد وعرضها تتوالى فى المقابل ردود الافعال الثأرية.
وعندما تكون السياسة الامنية المعلنة والممارسة فعلا، هى الضرب خلال عمليات الضبط سواء كان المطلوبون خصوما سياسيين او مواطنين عاديين مثل لواء الشرطة الذى اغتالوه هو وابنه بعد ان دكوا مسكنه بقذائف الار بى جى ... فمن البديهى ومن الطبيعى ومن غير المستغرب ان يقاوم المطلوب مطاردته وان يتعامل معهم بمنطق "قاتل يا مقتول."
ويتصاعد الهوس والهستيريا من حولنا إلى الحد الذي تنشر الصحافة فيه بالمانشتات العريضة، تصريح غير مسئول، للوزير المسئول عن الأمن في البلاد، أعلن فيه ((أن الإسلام أقر القصاص، وهذا ما سننفذه.))
وكأن البلاد، لم يعد فيها قانون يطبق، ولم يعد لها محاكم، يحتكم اليها ؟
وهكذا تدفع بلادنا دفعا، إلى قلب دوامة دموية جهنمية من العنف والعنف المضاد، تهدد وحدة الوطن كيانا وشعبا. دوامة لن يخرج منها أحدا سالما أو غانما وهكذا تساق بلادنا عبر سرداب مظلم نحو هاوية بلا قرار. 
وكل ذلك يثلج صدور الأعادى من حولنا، لأنه يمكنهم من ممارسة لعبتهم التقليدية "فرق تسد".
وخارج هذه القاعة يخيم جو مسموم، ويعربد مناخ محموم، وتطالب الحملات الهستيرية بقطع الرقاب، وقطف رؤوس شباب متهم بالارهاب.
 وتتمادى الهجمة الشرسة، فتتطاول على قضاء مصر الشامخ، وتشن أبواق مسعورة مأجورة. حملة ساقطة على قضاء مصر، تتهمهم بالعجز وعدم الحزم. وتتهمهم بالتراخي وعدم الجزم. وتعتبر تمسك المحامين بتوفير حق الدفاع على الوجه الأكمل، تسويفا ومماطلة، وتعويقا لسير العدالة. 
وخارج هذه القاعة، ينتزعون القضايا انتزاعا من أمام قاضيها الطبيعي، ويحيلونها إلى القضاء العسكري بحجة انه القضاء الأسرع والأنجح والاردع، متجاهلين ان القضاء جهاز لإرساء العدل، وليس أداة للقمع أو الردع. متناسين ان رمز العدالة امرأة معصوبة العينين تمسك بميزان حساس، وليس امرأة تركب بساط الريح، ممسكة بشومة أو كرباج. لكن مأساتهم، ان القضاء الطبيعي لا يشفى لهم غليل. لذلك يبحثون عن البديل، عن محاكم تفصيل، محاكم على مقاس مزاج وإرادة الحاكم. 
ولقد صدمني ان تحاول النيابة فى مرافعتها، استجلاب المناخ الهستيري المعربد خارج هذه القاعة، الى داخل ساحتكم الموقرة. فراحت تصور لكم القضية، كحلقة من حلقات بداية عهد الإرهاب، في محاولة مرفوضة، لتحميل الماثلين أمامكم في القفص وزر كل ما حدث من قبل، ووزر كل ما قد يحدث من بعد. وناشدتكم النيابة بأن يكون حكمكم، كلمة حق، فيمن القوا المفجرات، والكور الحارقة، على رواد المسارح والموالد والمساكن والمتاجر وقتلوا السائحين، متناسية أن المتهمين بارتكاب هذه الجرائم، لا يمثلون أمام حضراتكم في هذه القضية. 
وأنا أقول للنيابة: عفوا..عفوا.. أن أحكام القضاء، لم تكن يوما، ولن تكون أبدا، ردود أفعال، أو أصداء لما يجرى خارج قاعات المحاكم، أو خارج نطاق الدعوى المطروحة. أن المتهمين في دعوانا، يحاكمون عن وقائع محددة، لا شأن لها، بأية أحداث سابقة، أو لاحقه عليها.))
***
كان هذا هو المدخل الذى اختاره الهلالى لمرافعته. ولقد حكمت المحكمة وقتذاك، على المتهمين بالاعدام، قبل ان تبرئهم محكمة النقض، وتعاد محاكمتهم مرة أخرى، فيتم تبرئة بعضهم وإدانة البعض الآخر، ولكن على تهم أخرى غير تهمة اغتيال رفعت المحجوب.
***
منذ أسابيع قليلة كتب المهندس "عماد عطيه" احد تلاميذ ورفاق الاستاذ نبيل الهلالى، تدوينة على حسابه على الفيس بوك، يزكى فيها مواقف الهلالى ويروى فيها كيف ثار خلاف حزبى حول مشاركته فى الدفاع عن المتهمين فى هذه القضية حينذاك، وكيف انتصر الرأى المنحاز الى مبدأ المشاركة. وهو ما ثمنه وأكد عليه الاستاذ "فهمى هويدى" فى مقال له بالشروق بعنوان "الانسانى مقدم على السياسى".
ولكن من الواضح أن هذا الاستشهاد أو الاستلهام  لم يعجب انصار النظام، فانبرى للرد، الدكتور "خالد منتصر" فى مقال بعنوان "القديس النبيل الهلالى" بالمصرى اليوم، مدعيا ان الهلالى لو كان حيا اليوم، لرفض المشاركة فى الدفاع عن الاسلاميين. وهو ادعاء متهافت من واقع نص كلمات مرافعة الهلالى نفسه المشار اليها اعلاه.
***
وأخيرا نحمد لله ان مدرسة الهلالى للدفاع عن العدالة والحرية للجميع، قد أفرخت جيلا جديدا من المحامين والحقوقيين لا يزال يؤمن بحق كل مصرى فى محاكمة عادلة وفى مساواة كاملة أمام القضاء والقانون، بصرف النظر عن انتمائاته الفكرية والسياسية. جيلا قادرا على تحدى حملات التحريض والتشهير والتخويف والاستقطاب. جيلا صلبا وان كان لا يزال للأسف يمثل الاستثناء وليس القاعدة.
 و ندعو الله ان نعود جميعا الى رشدنا، وأن نحكم عقولنا وضمائرنا، وأن نستدعى مبدائنا وقيمنا، وأن نتعظ من دروس التاريخ وسننه، ومن تجارب من حولنا، وأن نسارع الى تطهير انفسنا وبلادنا من هذه الأجواء المسمومة من الانقسام والتحريض والكراهية، قبل فوات الأوان.
*****