بحث فى المدونة

جارٍ التحميل...

الثلاثاء، 19 مايو، 2015

لا تغتالوا سلمية بوعزيزى

لا تغتالوا سلمية بوعزيزى
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

حَرَّقَ بوعزيزى نفسه ولم يحرق الشرطية التى صفعته.
***
ماذا فعل محمد بوعزيزى ايقونة الربيع العربى التى فجرت مأساته الثورات العربية، حين تلقى صفعة من الشرطية التونسية فايدة حمدى؟
حاول ان يشكوها الى رؤسائها فسخروا منه، واستخفوه به، وأصابوا كبرياءه وكرامته فى مقتل.
ومع ذلك وفى قمة غضبه وحنقه، لم ينتقم منهم. لم يرفع يده على اى من رجال السلطة. لم يحرق "فايدة حمدى" أو يعتدِ عليها، او يرد لها الصفعة. لم يصنع عبوة ناسفة. لم يمارس الارهاب ضد النظام او الدولة.
بل قرر ان يحرق نفسه. وكأن لسان حال يقول: مهما فعلتم معى فلن أؤذيكم، وان قتلى لنفسى أهون عندى من استخدام العنف ضدكم.
لا يوجد دلالة اكثر من ذلك على سلميته.
هكذا كان بوعزيزى وهكذا أيضا كان كل من سار على دربه.
***
بدأت ثورات الربيع العربى، ثورات شبابية سلمية، تكره العنف، يتبارى شبابها فى الشجاعة والإقدام والتضحية، بدون ان يفكروا لحظة واحدة فى ايذاء أحد، حتى لو كانوا من رجال الشرطة الذين يضربوهم ويعتدوا عليهم بالهراوات والغاز والخرطوش ويقنصوهم بالرصاص الحى.
اختاروا التجمع، فى ميادين التحرير، عُزَّل، أسلحتهم هى التظاهرات والاعتصامات واللافتات والشعارات والهتافات ومكبرات الصوت.
اعتصموا فى مكان مفتوح، وهم يدركون جيدا انهم هدف سهل لقوات النظام، فيما لو ارادات ان تقصفهم أو تقتلهم.
لم يعتدِ الشباب على الشرطة الا فى حدود الدفاع عن النفس؛ الحجارة فى مواجهة الغاز والخرطوش وموقعة الجمل.
كان الذى حمل السيوف والخناجر هم ميليشيات النظام السرية من البلطجية و"المواطنين الشرفاء".
أما الهجوم على أقسام الشرطة، وفتح السجون، وإطلاق اللصوص والبلطجية على المنازل، كل ذلك كان من تدبير "الطرف الثالث" فى الساعات الاولى للثورة، كواحدة من خطط الطوارئ المعروفة والمعتمدة والمعدة سلفا، والتى تُدَّرس للمبعوثين الامنيين المصريين فى دورات التدريبات بالمعاهد والكليات العسكرية الامريكية. وكذلك كل ما تلاها من احراق للكنائس والانفلات الامنى المقصود الناتج عن  اضراب غير معلن من رجال الشرطة. و تعطيش الأسواق بهدف شيطنة الثورة شعبيا...الخ
***
لم تُقَدِّر الدولة سلمية الثورة أو تحترمها، ولم تعامل الثوار بالمثل. بل غدرت بهم؛
فإدعت فى العلن تأييدها للثورة والثوار ونزولها على رغباتهم وتنفيذها لبرامجهم وأهدافهم، والتزامها بحمايتهم وعدم الاعتداء عليهم.
أما فى الخفاء ومن وراء الكواليس، فشرعت فى الانقضاض على ثورتهم وخداعهم والعمل على تفريق صفوفهم وتصفيتهم، قنصا او قتلا او اعتقالا او اختراقا واحتواءً.
ان عمليات القتل لم تتوقف، منذ اللحظات الاولى للثورة؛ يشهد على ذلك شهداء يناير وموقعة الجمل ومحمد محمود ومجلس الوزراء وماسبيرو والعباسية وبورسعيد ... ثم فيما بعد الحرس الجمهورى والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس وسيارة ترحيلات ابو زعبل واستاد الدفاع الجوى...الخ
***
ورغم كل هذا القتل المنهجى، رفض الشباب مرة أخرى اللجوء الى العنف، وردوا بمزيد من المظاهرات والاعتصامات السلمية.
وردت الدولة مرة أخرى بالاعتقال وبمزيد من القتل وبتخوين الجميع أو اتهامهم بالإرهاب!
رغم ان الارهابيين لا يتظاهرون او يعتصمون، ولا يرفعون اللافتات والشعارات وانما البنادق والمفرقعات، ولا يؤسسون احزابا أو جبهات، ولا يشاركون فى الانتخابات، ولا يصدرون الصحف، ولا يظهرون فى المنابر الاعلامية، وليس لهم حسابات حقيقية على وسائل التواصل الاجتماعى، ولا يؤسسون تنظيمات جماهيرية، ولا يمارسون اى انشطة علنية، ولا يستسلمون للسلطات حين تذهب لاعتقالهم ......الخ
***
وماذا كانت نتيجة هذا الغدر؟
زرع النظام بيده جرثومة العنف لدى قطاعات من الشباب، زرعه حين مارس القتل والقنص والاعتقال والحظر والظلم والسجن والمؤبد والإعدام بالجملة، وقام بحظر وتجريم التظاهر بما يعنيه ذلك من تجريد بوعزيزى وأشقائه من سلاحهم الوحيد فى مواجهة كل جبروت النظام ومؤسساته.
وكان رد الفعل الطبيعى والمتوقع أن بدأت تتشكل جماعات من الناس اخذت تزداد يوما بعد آخر، من اهالى الشهداء والمعتقلين وأصدقائهم ورفاقهم وجيرانهم ومعارفهم والمتعاطفين معهم، جماعات لم تعد تحتمل استبداد السلطة وظلمها وعنفها، وأصبحت تتساءل عن جدوى السلمية، وتعبر عن تفهمها لمشاعر ودوافع منتهجى العنف والارهاب، وربما تتعاطف معهم فى كثير من الاحيان.
وظهر منهم من يشككك فى البيانات الرسمية عن العمليات الارهابية، ويتهم الدولة بتدبيرها لتبرير قبضتها البوليسية وإجراءاتها الاستثنائية، مستشهدة بتجارب وسوابق تاريخية مصرية وعالمية.
ويتهمها بأنها تسد كل منافذ الحرية والعدل لكى تستدرج خصومها الى العنف وحمل السلاح، وتزرع الخوف بين الناس لتدفعهم للاحتماء بها ومباركة استبدادها والاعتراف بشرعيتها وفرض سطوتها.
لقد اصبحنا نجد صعوبة تتزايد كل يوم فى اقناع هذا الشباب بأهمية الحفاظ على السلمية وبضرورة ادانة العنف والإرهاب.
فحين نطالبهم بإدانة اى عملية ارهابية،
يردون بأن النظام حرق كل القنوات والوسائل الشرعية والسلمية للكرامة والحرية والعدل والعدالة والتغيير.
او يردون بان الدولة هى من دبرتها.
فنسألهم هل هذا كلام معقول؟
يردون بان من ارتكبوا كل هذه المذابح على امتداد اربع سنوات بدم بارد، يمكنهم ان يقتلوا جنودهم أيضا بدم بارد، فى سبيل تثبيت سلطتهم وسلطانهم.
الى هذه الدرجة اصبحت الصورة سوداء فى عيون كثير من الشباب.
***
فى البداية كانت العمليات الإرهابية، محدودة ومحصورة فى سيناء، ومدانة من الجميع. اما اليوم فلقد اتسعت دوائرها وتعددت عملياتها، وخفتت اصوات ادانتها لدى قطاعات متزايدة من الشباب.
وهو ما ينذر بشر كبير، ما لم يتم تداركه سريعا، بالمراجعة والتراجع عن كل سياسات وقرارات ومحاكمات وأحكام الظلم والقهر والاستبداد وكل منظومة الاجراءات البوليسية والأمنية :
لا تخلقوا حاضنة شعبية للعنف،
لا تستبدوا بالبلاد و العباد، ولا تئدوا حلم المصريين والشباب فى وطن حر وعادل  وكريم.
واخلوا السجون من الأبرياء.
ولا تحظروا خصومكم السياسيين، ولا تعتقلوهم أو تسجنوهم، ولا تحاكموهم على آرائهم ومواقفهم وانتماءاتهم السياسية والأيديولوجية.
فان حاكمتوهم فاعدلوا.
فان لم تعدلوا، فلا تحكموا بإعدامهم، فالاعدام السياسى اغتيال خارج القانون.
فان حكمتم بالاعدام، فلا تجعلوه اعداما بالجملة، حتى لا تكون ابادة جماعية.
فان صدرت بالجملة فلا تنفذوها.
فالمنتصر الذى يسجن خصمه المهزوم، لا يعدمه أبدا، حفاظا على السلم الاهلى وتحسبا لتغير الظروف وانقلاب الموازين .
احذروا الغضب الكامن والمكتوم فى الصدور، واتقوا شر المظلوم اذا يأس.
هل رأيتم ما حدث فى سوريا والعراق؟
لا تغتالوا سلمية بوعزيزى.
*****


                                                                                              

الثلاثاء، 12 مايو، 2015

أوباما مندوبا للمبيعات

أوباما مندوبا للمبيعات
محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

حين يعلن الرئيس الامريكى "حسين باراك أوباما" نيته دعوة دول الخليج لنشر منظومة دفاع صاروخية تغطى المنطقة لحمايتها من الصواريخ الباليستية الإيرانية، فنحن فى الحقيقة بصدد تاجر او سمسار سلاح، يقوم بالتسويق لشركات الاسلحة الأمريكية، لا يختلف كثيرا عن اى مندوب مبيعات فى اى شركة تجارية، فيما عدا نوع وقيمة البضاعة التى يسوق لها، وطبيعة منصبه كرئيس لأقوى دولة فى العالم.
قال ذلك فى معرض الحديث عن جدول اعمال اجتماعه المرتقب مع القادة الخليجيين فى كامب ديفيد، هذا المنتجع الشرير، الذى كان مطبخا لغالبية مصائبنا الكبرى.
يدَّعى أوباما انه يستهدف طمأنة دول الخليج القلقة من الاتفاق النووى الايرانى، بينما هو فى الحقيقة يُبشر و يُطمئن شركات السلاح الامريكية.
ان تكلفة القبة الفولاذية لاسرائيل (فلسطين 1948) التى لا تتعدى مساحتها 21 كيلو متر مربع،  ستبلغ بعد الانتهاء منها، مليار دولار.
فكم ستتكلف الدروع الصاروخية الامريكية المراد انشائها لحماية الجزيرة العربية التى تزيد مساحتها عن ثلاثة ملايين كيلو متر؟
وهل كانت ضمن المكاسب الإضافية المستترة فى بنك الاهداف الامريكية فى الاتفاق النووى مع ايران؟
***
ان الحقيقة وراء ما يحدث فى منطقتنا، ترتبط ارتباطا وثيقا بمبيعات وأرباح ومصالح شركات السلاح الامريكية ومثيلاتها.
فلا يمكن أن يوجد اى تفسير منطقى لكل هذه الصراعات الطائفية والحروب الاهلية المجنونة التى ضربت العراق وسوريا واليمن وليبيا فى أوقات متزامنة، سوى نفوذ وعبقرية ونشاط ادارات المبيعات فى هذه الشركات، وشبكة العلاقات والمصالح المرتبطة بها فى المؤسسات الرسمية الامريكية، او المتحالفة معها والمرتشية منها فى انظمتنا العربية.
انهم يخدعونا ويضللون الرأى العام العالمى، فيختفون وراء عناوين ومنظومات دولية وأمنية وسياسية مثل الامن والسلم الدوليين، والامن القومى الامريكى، والامن الاقليمى للشرق الاوسط، ومكافحة الارهاب والقاعدة وداعش....الخ
ولكن الحقيقة هى انهم انما يبيعون أسلحتهم ويوسعون تجارتهم، ويراكمون أرباحهم، ويحلبون ثرواتنا، ويتواطئون مع حكامنا وأنظمتنا لاستهلاك وتفريغ المخازن العربية من السلاح المتراكم الذى قارب على الصدأ، لشراء غيره.
وهم يبيعون للجميع، لكل من يدفع، لا فرق فى ذلك بين الانظمة والمعارضة، أو بين السنة والشيعة والأكراد، بين داعش والحشد شعبى والبيشمركة ، ولا بين الحوثيين وقوات التحالف السعودى، الجميع يتقاتل ويَقتل ويُقتل بأسلحتهم. الفرق فقط فى علانية الصفقات او سريتها. هل تتذكرون "الكونترا ـ جيت". وهم لا يقلقون من النتائج، فبإمكانهم دائما التدخل فى الوقت المناسب، لزيادة او تقييد المبيعات والدعم العسكرى، لإمالة الميزان لصالح طرفا عن آخر، حسب الظروف ووفقا للأجندات السياسة وتكتيكاتها.  
وهم يقيسون مدى نجاح الادارات الامريكية المتعاقبة بمدى قدرتها على خلق الاضطرابات والأزمات والحروب التى تزيد من مبيعاتهم.
يشاركهم فى ذلك بطبيعة الحال "كارتلات" صناعية ونفطية أخرى، من اهمها فى مجال "بيزنس الحروب" شركات المقاولات العالمية التى تتوافق وتتكامل ادوارها ومصالحها مع شركات السلاح وفقا لقاعدة "اليوم قتلٌ ودمار وغداً إعمار".
اما عن الطريقة التى يروجون بها لبضاعتهم، فهم يفعلونها من خلال "معارض للقتل الحى" على الهواء، يعرضون ويختبرون فيها القدرات التدميرية والقاتلة لمنتجاتهم على شعوبنا.
ونجم اعلاناتهم الاول، هو هذا الكيان الارهابى المتوحش المسمى باسرائيل، والذى يقدم عرضه شبه السنوى فى غزة، ومن قبلها لبنان، عرضا يستعرض فيه قوة ودقة الاسلحة المطلوب التسويق لها وبيعها. ويستخدم هؤلاء المجرمون اهالينا وأطفالنا، كفئران تجارب لفنون القتل والإبادة.
وللأسف، استطاعوا بالفعل تحقيق نجاحات باهرة، فالسلاح الامريكى والغربى هو السلاح الاول المطلوب والمرغوب فيه اليوم فى غالبية الجيوش العربية.
أسلحة يقتلنا بها الصهاينة فى فلسطين ولبنان وسيناء والجولان، ويقتلنا بها الامريكان فى العراق وافغانستان ... الخ، فنهرول نحن للتعاقد مع قاتلينا لشراء مثلها وتخزينها، وتوزع العمولات على المتعاقدين من المسئولين.
ولكنهم بالطبع لا يبيعون لنا ذات الأسلحة، بل يعطونا الفرز الثالث والرابع، ويشترطون عدم استخدامها فى مواجهة اسرائيل او اى من حلفاء أمريكا، ويضمنون ذلك من خلال قدراتهم على تعطيلها الكترونيا عن بعد، وفقا لما ورد فى عديد من دراسات الخبراء العرب.
ولا يقتصر الامر بالطبع على عمولات القادة والمسئولين، بل ان الاعتراف الامريكى بالأنظمة وبالحكام العرب والرضاء عنهم وحمايتهم، مرهون ومرتبط الى حد كبير، بتمكينهم للولايات المتحدة من احتكار تسليح جيوشهم وأمنهم وتدريبهم.
ان اى قراءة لتسليح الجيوش العربية فى الاربعين عاما السابقة، تكشف حقيقة هذه المهزلة، والمثل الابرز بالطبع هو ما قام به نظام كامب ديفيد فى مصر منذ السبعينات بإحلال السلاح الامريكى محل الغالبية الغالبة من السلاح السوفيتى.
***
يرتبط هذا الموضوع بطبيعة الحال، بملفات الفساد والعمولات والرشاوى فى الانظمة العربية، والتى تمثل بئرا عميقا، لا تزال أسراره وحقائقه محرمة وخافية عن الرأى العام، فيما عدا ما يتسرب بين حين وآخر من وسائل الاعلام الغربية، ومن امثلتها ما ذكره نيكولاس جيلبى فى كتابه (الخداع فى الاماكن العالية)، من حصول أسر سعودية على أكثر من 60 مليون جنيه استرليني في شكل فوائد ونقدية من شركة بي ايه اي بين عامي 1989 و 2002"
وكذلك ما تم الكشف عنه فى الشهور الاولى لثورة يناير، من عمولات حسين سالم وآخرين الخاصة بالمعونة الامريكية العسكرية لمصر، البالغة 1.3 مليار دولار سنويا، والتى تم ادانتها وتجريمها من محاكم امريكية.
وكلها تسريبات لا تتعدى نقطة فى بحر العالم السرى والخطير لتجارة السلاح.
***
ولهواة الأرقام والإحصائيات، فان هناك عشرات الدراسات والتقارير المنشورة التى كشفت عن حجم وتفاصيل سوق التسليح فى العالم وفى المنطقة، من أهمها ما ينشره معهد أبحاث السلام الدولي في ستوكهولم (SIPRI ومن أمثلة ما ورد بها ما يلى:
·       بلغ الإنفاق العسكري العالمي 1.75 تريليون دولار في 2013.
·       فى 2012 بلغت مبيعات أكبر مائة شركة 395 مليار دولار و 402 مليار دولار فى 2013، ومثلت مبيعات شركات السلاح الموجودة فى الولايات المتحدة 58%، بينما كانت نسبية مبيعات شركات غرب أوروبا 28%.
·       من بين أكبر 100 شركة، هناك 44 شركة أمريكية، 10 شركات بريطانية، 9 شركات فرنسية، و8 شركات إيطالية، و7 شركات روسية، و4 ألمانية، و5 كورية جنوبية، و3 إسرائيلية إلى جانب شركات كندية وبرازيلية وأوروبية أخرى.
·       أنفقت بلدان الشرق الأوسط، بما في ذلك تركيا، نحو 170 مليار دولار على الدفاع في عام 2013.
·       أنفقت المملكة العربية السعودية أكثر من 80 مليار دولار على الأسلحة في 2014، وهو أكثر من أي وقت مضى، وأكثر من فرنسا أو بريطانيا، وأصبحت رابع أكبر سوق للدفاع في العالم.
·       بحلول 2020، سيصل سوق الدفاع في الشرق الأوسط إلى نحو 820 مليار دولار.
***
وفى الختام، علينا ان ندرك اننا نتقاتل ونسفك دماء بعضنا البعض وندمر بلادنا، ليس دفاعا عن مصلحة وطنية أو قومية، وانما نفعلها، فى الأغلب الأعم، كجزء من خطط التسويق والمبيعات السنوية لشركات الاسلحة الامريكية وأخواتها.
*****



الثلاثاء، 5 مايو، 2015

اللمسات الأخيرة لتقسيم العراق

تحت أبصارنا .. اللمسات الأخيرة لتقسيم العراق

محمد سيف الدولة
Seif_eldawla@hotmail.com

تحت أبصارنا جميعا، ورغما عن أنوفنا، بل وبمشاركة أنظمتنا، يشرع الامريكان اليوم فى وضع اللمسات الاخيرة فى مشروع تقسيم العراق، الذى لم يخفوا نواياهم فيه أبدا، بل اعلنوه جهارا نهارا، مرارا وتكرارا، هم والصهاينة منذ سنوات طويلة، ادراكا منهم ان العرب لم يعد لهم حول ولا قوة.
فبذريعة تزايد النفوذ الايرانى فى العراق، والسياسات الطائفية للحكومة العراقية، مررت لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الامريكى فى الايام الماضية، مشروع قانون يدعو صراحة لاعتبار الاكراد والسنة بلدانا مستقلة، حتى يجوز تسليحهما مباشرة بعيدا عن السلطة المركزية العراقية.
قد تبدو الذرائع حقيقية، لكن النوايا والتوصيات والمخططات والمشروعات شديدة الخبث.
***
الهدف الحقيقى:
لقد حذرنا مرارا، منذ بدايات الحملة الامريكية الاستعمارية الثالثة على العراق، المسماة بالتحالف الدولى لمواجهة داعش، حذرنا من ان الهدف الحقيقى للحملة هو حماية واستكمال مشروع بناء دولة كردية فى شمال العراق، تقف هى و جنوب السودان جنبا الى جنب مع الدولة اليهودية الصهيونية فى فلسطين، كنماذج للدويلات الطائفية والعرقية التى يريدون تخليقها على انقاض الوضع العربى الناتج عن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الاولى.
***
القانون الأمريكى :
أما عن دور مشروع القانون المذكور الذى طرحه النائب"ماك ثورنبيري"، فانه يفرض "شروطا" لتخصيص مساعدات عسكرية أميركية للعراق بقيمة 715 مليون دولار من ميزانية الدفاع لعام 2016.
فينص على أن يذهب 25 % منها مباشرة إلى قوات البيشمركة والقوات السنية، وأن يتم صرف الـ 75 % المتبقية بعد أن تقدم وزارتا الدفاع والخارجية ما يثبت التزام الحكومة العراقية بعملية المصالحة الوطنية، وفي حال فشلتا في إثبات ذلك، يذهب 60 % من المبلغ المتبقي أيضا للقوات الكردية والسنية.
كما نص المشروع صراحة على ان هذه الخطوة تقتضى اعتبار كل من السنة والأكراد "بلادا مستقلة"، حتى يتسنى تسليحهما بشكل مباشر بعيدا عن السلطة المركزية، وفقا للقانون الامريكى.
***
وثائق التقسيم والعجز العربى:
ليست المشكلة أو المأساة الحقيقية والوحيدة، فى القانون ولا فى المخططات والنوايا الامريكية والصهيونية، وانما فى المجتمع العربى الذى يقف عاجزا مستسلما لعملية ذبحه وتقسيمه، رغم درايته بها من البداية، منذ كانت مجرد اوراق فى الادراج وهمهات فى الكواليس، ورغم أن باحثيه ومفكريه وإعلامه وحتى حكامه لم يكفوا عن الحديث عنها والتحذير منها على امتداد سنوات طويلة.
لم يكن اولها الاعلان الصريح من"جوزيف بايدن"  نائب الرئيس الامريكى الحالى، الذى دعى صراحة الى تقسيم العراق الى ثلاث مناطق تتمتع بالحكم الذاتي.
ولكن مشروعات التقسيم ووثائقه، وردت فى عديد من الوثائق والكتابات الامريكية والصهيونية منذ الخمسينات من القرن العشرين، نورد منها على سبيل المثال وليس الحصر الوثيقتين التاليتين:
***
أولا ـ محاضرة وزير الامن الداخلى الصهيونى الأسبق " آفى ديختر " ، التى القاها  يوم 4 سبتمبر 2008 ، فى معهد ابحاث الامن القومى الاسرائيلى، والتى جاء فيها ما يلى عن الساحة العراقية:
·       ان تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس أقل أهمية وحيوية عن تكريس وإدامة تحييد مصر.
·   وان كان تحييد مصر قد تحقق بوسائل دبلوماسية (كامب ديفيد) لكن تحييد العراق يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملا كاملا .
·   و ان المعادلة الحاكمة لاسرائيل فى البيئة العراقية تنطلق من مزيد من تقويض حزمة القدرات العربية فى دولها الرئيسية من أجل تحقيق المزيد من الأمن القومى لإسرائيل .
·   العراق الذي ظل فى منظورنا  الاستراتيجى التحدى الاستراتيجى الأخطر  بعد أن تحول الى قوة عسكرية هائلة، فجأة تلاشى كدولة وكقوة عسكرية بل وكبلد واحد متحد، العراق يقسم جغرافيا وانقسم سكانيا وشهد حربا أهلية شرسة ومدمرة أودت بحياة بضع مئات الألوف.
·   وان تحليلنا النهائى و خيارانا الاستراتيجى هو أن العراق يجب أن يبقى مجزأ  ومنقسما ومعزولا داخليا بعيدا عن البيئة الإقليمية.
·       و ليس بوسع أحد أن ينكر أننا حققنا الكثير من الأهداف فى العراق أكثر مما خططنا  وأعددنا له .
·       فنحن لم نكن بعيدين عن التطورات هناك منذ عام 2003
·       و ما زال هدفنا الإستراتيجى هو عدم السماح لهذا البلد أن يعود الى ممارسة دور عربى واقليمى ، لأننا سنكون أول المتضررين .
·       و نحن نستخدم فى ذلك كل الوسائل غير المرئية على الصعيد السياسى والأمني لتحقيق اهدافنا.
·   و ذروة اهداف اسرائيل هو دعم الاكراد بالسلاح والتدريب والشراكة الامنية من اجل تأسيس دولة كردية مستقلة فى شمال العراق تسيطر على نفط كركوك وكردستان.
·   ولقد كان من المستحيل ان تنجح اسرائيل فى تحقيق ما حققته الولايات المتحدة فى العراق الا باستخدام عناصر القوة لديها  بما فيها السلاح النووى
·   و ان استمرار وجود الولايات المتحدة فى العراق لعقد او عقدين سيكون ضمانة لاسرائيل ضد عودة العراق لمواجهة اسرائيل
·   و ان الاتفاقية الامنية الامريكية العراقية ستتضمن بنودا تضمن تحييد العراق فى اى حرب مع سوريا او لبنان او ايران كما تضمن عدم السماح للعراق بالالتزام باى مواثيق تعادى اسرائيل مثل معاهدة الدفاع العربى المشترك.
***
ثانيا ـ وثيقة صهيونية هامة و قديمة عن العالم العربى، نشرتها مجلة "كيفونيم" لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية عام  1982تحت عنوان " استراتيجية اسرائيل فى الثمانينات " ، ونشرناها نحن بعنوان : "الوثيقة الصهيونية لتفتيت الامة العربية "، حيث جاء فى الجزء الخاص بالعراق ما يلى :
·       ان العراق لا تختلف كثيرا عن جارتها ولكن الأغلبية فيها من الشيعة والاقلية من السنة، ان 65% من السكان ليس لهم أى تأثير على الدولة التى تشكل الفئة الحاكمة فيها 20% الى جانب الأقلية الكردية الكبيرة فى الشمال.
·       ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما كان بالامكان ان يختلف مستقبل العراق عن ماضى لبنان وحاضر سوريا .
·       ان بشائر الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيها اليوم، خاصة بعد تولى الخمينى الحكم، والذى يعتبر فى نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقى وليس صدام حسين .
·       ان العراق الغنية بالبترول والتى تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلى هى المرشح التالى لتحقيق أهداف اسرائيل .
·       ان تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى من سوريا.
·       ان فى قوة العراق خطورة على اسرائيل  فى المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى.
·       وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق الى مقاطعات اقليمية طائفية كما حدث فى سوريا فى العصر العثمانى
·       وبذلك يمكن اقامة ثلاث دويلات ( أو أكثر ) حول المدن العراقية.
·       دولة فى البصرة، ودولة فى بغداد، ودولة فى الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية فى الجنوب عن الشمال السنى الكردى فى معظمه .
***
ملاحظات أخيرة:
1)   رغم ان مشروعات التفتيت لا تقتصر على العراق، فالحروب الاهلية والطائفية وأشباح التقسيم ضربت عديد من الاقطار العربية فى سوريا واليمن وليبيا،  الا انه لو نجح مخطط تقسيم العراق، لا قدر الله، فانه سيؤدى الى انهيارات متتالية سريعة وحتمية فى دول عربية أخرى، مما يستوجب استنفارا وتصديا ومواجهة شعبية عربية طارئة وملحة فى الايام والأسابيع القادمة.
2)   كما انه ليس لنا عذرا فى السماح بتمرير هذا المشروع؛ فان كان اسلافنا قد تذرعوا بان مخططات سايكس بيكو الاولى كانت سرية ومجهولة، ولم يتم الاعلان عنها الا على ايدى الثورة الروسية عام 1917، بعد ان قاربت الحرب العالمية الاولى على نهايتها، وكانت ترتيباتها وغنائمها موزعة ومحسومة ومتفق عليها مسبقا بين الدول المنتصرة. فانه ليس لنا ان نتذرع بذلك اليوم، فمشروعات التقسيم الجديدة معلنة ومنشورة منذ سنوات طويلة.
3)   ولقد آن الأوان أن نتحرر من جرثومة الاستقطاب التى ضربتنا جميعا فى كل الاقطار العربية، وان نتوحد فى مواجهة كل القوى والظروف الخارجية والداخلية التى ادت الى خلق بيئة قابلة للاختراق والتقسيم ومحرضة عليه، مثل ضعف الانتماءات الوطنية بسبب التبعية والاستسلام للعدو، ومثل المذهبية والطائفية، والاستغلال والافقار، والظلم والقهر والاستبداد.
*****